محمد بن جرير الطبري

302

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قيل : إن تأويل ذلك خلافُ ما إليه ذهبتَ . وإنما معنى الكلام : وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتًا ، وبعضها وهم قائلون . ولو جعل مكان " أو " في هذا الموضع " الواو " ، لكان الكلام كالمحال ، ولصار الأغلب من معنى الكلام : أن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتًا وفي وقت القائلة . وذلك خبرٌ عن البأس أنه أهلك من قد هلك ، وأفنى من قد فني . وذلك من الكلام خَلْفٌ . ( 1 ) ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التنزيل ، إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتًا ، من القرى التي جاءها ذلك قائلةً . ولو فُصلت ، لم يخبر عنها إلا بالواو . وقيل : " فجاءها بأسنا " خبرًا عن " القرية " أن البأس أتاها ، وأجرى الكلام على ما ابتدئ به في أول الآية . ولو قيل : " فجاءهم بأسنا بياتًا " ، لكان صحيحًا فصيحًا ، ردًّا للكلام إلى معناه ، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها ، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب ، نحوٌ من الذي نال سكانها . وقد رجع في قوله : ( أو هم قائلون ) ، إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها ، لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان ، وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها . ( 2 ) ولو قيل : " أو هي قائلة " ، كان صحيحًا ، إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام . * * * فإن قال قائل : أوليس قوله : ( أو هم قائلون ) ، خبرًا عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار ؟ قيل : بلى !

--> ( 1 ) ( ( خلف ) ) ( بفتح فسكون ) . يقال : ( ( هذا خلف من القول ) ) ، أي : رديء ساقط ومنه المثل : ( ( سكت ألفًا ، ونطق خلفًا ) ) . ( 2 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 371 .